أكاديمياكتابمترجم

قراءة في كتاب عقيدة الصدمة لـ نعومي كلاين

الاتحاد برس – مترجم

الصدمة / صعود رأس مالية الكوارث تتحدث الكاتبة عن تجارب عالم النفس الكندي الشهير “أيوين كاميرون”، الذي كانت تجاربه تهدف إلى مسح إدراك الإنسان وذاكرته كي يسهل برمجته والتحكم به.. تجاربه التي أخضع لها مرضاه النفسيين من خلال عزلهم تماما عن العالم الخارجي وتعطيل حواسهم تماما، ظلام لا صوت ولا لمس حتى، وبعد ذلك تعريضهم لموجات من التيار الكهربائي، هذا الجزء الأول يخص علم النفس ويطبق على الأفراد.

الجزء الثاني بطله الشهير جدا والاقتصادي العالمي الحاصل على جائزة نوبل “ميلتون فريدمان” ما طُبق على الأفراد أراد تطبيقه على الشعوب وأمريكا اللاتينية خير دليل تشيلي الأرجنتين البرازيل ووو.. وطبعا العراق…الخ، والهدف أن الشركات الكبرى العابرة للقارات تجد أسواق جديدة ولا شيء يقف في طريقها.

لا نجد إلا نادراً كتاباً في الاقتصاد السياسي بمثل متعته. وإذا شق على القارئ قراءة الـ 750 صفحة فإن بعضها قد يكون كافياً. ذلك أن نعومي كلاين اليسارية الكندية عرضت أطروحتها الرئيسة في الأبواب الأولى للكتاب.

 وقامت الكاتبة بعد ذلك باختبارها ورؤيتها في عدد شاسع من التجارب العالمية. كتاب “نعومي كلاين” في جملته عن اقتصاد مدرسة شيكاغو والمحافظين الجدد.

تقارن كلاين عن حق بين نوع من التعذيب والعلاج قائم على إعادة تربية المرء انطلاقا من الصفر، أي غسل دماغه بالكامل وجعله أبيضًا قابلًا لكل إضافة، وبين اقتصاد المحافظين الجدد القائم على إعادة الرأسمالية إلى طبيعتها وترك السوق حرة من أي تنظيم أو تدخل أو زيادة.

ذلك يعني رفع يد الدولة تماماً، تقليص جسم الدولة بحيث لا يبقى منها سوى سلطتها القمعية، منع أي مساعدات عن البلد وتركه يتدبر أمره بنفسه، خصخصة كل المرافق، فتح البلد أمام الاستثمارات الأجنبية التي قد تتولى المرافق المخصخصة ورفع أي قيود حمائية.

وطرحت الكاتبة فكرة برنامج غير شعبي إذ انه يؤدي إلى البطالة والتضخم وحرمان الطبقات الشعبية من أي ضمان. لذا لا بد من تطبيقه بعد الكوارث؛ ففي الكارثة يسهل تمرير أي شيء، إذ يكون الناس في هلع لا يملكون معه أي مقاومة، هذا ما حصل بعد 11 أيلول لكنه لم يحصل هنا، فحسب بل حصل قبل 11 أيلول في التشيلي والأرجنتين وبوليفيا وأميركا اللاتينية عموماً وروسيا وأوروبا الشرقية كلها، وحصل في العراق بعد 11 أيلول. الانهيار الاقتصادي الحالي لم ينشأ اليوم. ثمة تجربة عالمية خاضتها مدرسة شيكاغو أدّت إليه.

العلاج بالصدمة والدول

الصدمة التي يمكن تطبيقها على الفرد، يمكن أن تتطبق على المجتمعات.

تخيل دولة اشتراكية مثلا أو دولة تتدخل وتقدم دعم اجتماعي للمواطنين ونريد أن نحوّلها لنظام السوق الحر، التحولات الكبيرة على المستوى الاقتصادي المشابه لهذا لن يقبل بها الشعب أبدا ومن المستحيل أن تمر في ظروف طبيعية، بل يجب أن يكون هناك صدمة.

مجموعة الناس الذين يمثلون الدولة مع مرور الوقت مفاهيمهم الاجتماعية و السياسية وسياستهم بنت سور حولهم حتى يحميهم من الأفكار التي يرون بأنها سيئة. السور له بوابة واحدة ويقف عليها حارس اسمه “سامح”. في الأوضاع الطبيعية دخول السياسات والأفكار يتم من خلال هذه البوابة فقط وتحت إشراف “سامح” الذي يصعب التفاهم معه جدا وخصوصا لو كانت الأفكار غريبة.

عوضا عن التفاهم معه لو طبقت مبدأ الصدمة

ممكن أن تضربه على رأسه ويصاب بعمى مؤقت تستطيع خلال فتره قصيرة بأن تمرر أي سياسات أو أفكار من البوابة، أو ممكن لصدمة قوية أن تهز الأرض بقوة لدرجة أنها ستوقع السور كله وذلك سيمنع البوابة من أي ميزة إشرافية فيسبب صدمة أكبر بتأثير أقوى.

الصدمة ممكن أن تكون:

  • انقلابات
  • حروب عسكرية
  • اضطرابات ثورات
  • عمليات ارهابية
  • أو حتى كوارث طبيعية.
  • تضخّم اقتصادي،

الازمة تجعل المستحيل ممكن!

ستعمل على خلق أوضاع جديدة تمرر من خلالها سياسات اقتصادية واجتماعية الناس كانت سترفضها في الحالة الطبيعية.

الدولة لديها ٢٠ شركة لو قررت أن تبيع شركة منهم للقطاع الخاص في الظروف العادية، ستقوم احتجاجات كبيرة ولكن لو صدمت الشعب بصدمة جماعية، من الانذار بحرب قد تحصل أو تضخم اقتصادي، ستتمكن من بيع العشرين شركة دفعة واحدة ولن يجرؤ أحد على قول أي شيء.

عندما تحدث الكارثة، السكان يدخلون في حالة الصدمة الجماعية ويكونون أكثر قابلية على أن يقبلوا سياسات كان من المستحيل عليهم قبولها في الأوضاع الطبيعية.

الشعب يسلّم بشكل أكبر ويقضي على كل خطوط دفاعه ومقاومته ويمكنك حينها أن تهندس المجتمع وتعيد ترتيبه بالكامل من الصفر.

ستتمكن من أن تخفض الإنفاق الاجتماعي، أو تلغي القطاع الحكومي، تخصص كما تشاء وتحرر السوق تماما.

بناءا على مبدأ الصدمة الذي صاغه “مليتون فريدمان” فهو يرى بأن الأزمات فقط – سواء كانت حقيقية أو مفتعلة – هي التي لديها القدرة على إحداث تغير حقيقي على مستوى الدول والجماعات.

سياساته تقوم على تحجيم القطاع العام ونقل أعماله للقطاع الخاص وتجفيف الإنفاق الإجتماعي وإعطاء الشركات حرية التصرف بصورة كاملة.

المبادئ تلك تم تصديرها من أميركا لدول العالم سواء الدول الديموقراطية في أوروبا مرورًا بالانقلابات العسكرية في أميركا الجنوبية انتهاء بآسيا وافريقيا.

أنت حاكم مدينة، والناس بالنسبة لك طلباتهم لا تنتهي فهم يريدون كذا وكذا.

حوّل الحياة كلها لجحيم، الاضطرابات والانفلاتات في كل مكان وخسّر الناس كل مقومات الحياة، افقدهم كل إحساس بالأمن، عندها سيرضوا بأي شيء تقدمه لهم، المهم أن يحافظوا على حياتهم. أو ادخل حرب وافتح جبهة سهلة اسمح ببعض الهجمات الارهابية بذلك سيكون لديك سبب مقنع أن تقضي على أي اضطراب داخلي.

ليس شرطا أن تخلق الأزمة، المهم أن تتحرك فيها بسرعة وتطبق السياسات بسرعة قبل رجوع المجتمع لحالته الطبيعية.

اشغل الشعب في المزيد من الصدمات، ولو قررت أن تمرر سياسة معينة في ساعة الصدمة وحصل مقاومة اخلق صدمة أكبر.

لو أن هناك ضرر قم بدمجه مع ضرر ثاني أكبر كي يمر بصورة أسرع.

(مبدأ الاضرار كلها دفعة واحدة)

 إن كانت العملية طويلة ومؤلمة والناس لن تستطيع الإحتمال اخلق عدو وهمي وخوّف الشعب منه، ولكن  يجب أن يكون شبح هلامي لا أحد يمكنه معرفة ابعاده أو يمكنه أن يمسكه.

رأسمالية الكوارث

مثلما أن الكوارث مفيدة على الجانب السياسي فهي مفيدة على الجانب التجاري وتعتبر فرص استثمارية ممتازة

بعد كل انهيار تأتي الفوضى، يمكنك أن تستغلها وتحقق منها مكاسب ضخمة.

حي شعبي في قلب مدينة أثرية، بيوته سكانها ورثوها من آبائهم الذين قد ورثوها من جدودهم من آباء جدودهم وهم رافضين تماما ترك تلك البيوت بأي ثمن. اليوم المدينة استيقظت على زلزل دمّر جزء من ذلك الحي، يمكنك أن تستغل أثر الصدمة الذي سببه الزلزال وتعوض السكان وتشتري بيوتهم بأبخس الأسعار أو حتى تعطيهم بدلا منها بيوت في أماكن بعيدة وتستغل الموقع وتبني مكانه مواقع ومنتجعات سياحية ستحقق لك أضعاف ما دفعته.

فقدان الناس لكل شيء جعلهم يوافقوا على أمر كان من المستحيل أن يوافقوا عليه في الوضع الطبيعي.

حرب العراق

لو كان الاقتصاد في دولتك متعثر وكل الحلول التي حاولت تطبيقها غير مجدية بدرجة كافية، واليوم اتاك خبر بأن بلدك تعرّض لهجوم، المهاجمون خطفوا طيارات وضربوا عدة أماكن حيوية في البلد! فأنت ستقوم بتطبيق مبدأ الصدمة وستستغل حالة الخوف والصدمة التي أصابت شعبك.

ستصدر قوانين تسمح لك بالتحكم بالبلد بشكل أكبر وبأن تتجسس على الناس، ستطبق سياسات داخلية وخارجية كان من مستحيل للشعب الموافقة عليها في الظروف الطبيعية بل يمكن للشعب أن يطلب منك تطبيقها بنفسه.

وستعلن الحرب على دولة ثانية بدون تحقيقات حقيقة، ولكنها لن تكون حرب عادية بل حرب استثمارية، ستعطي لاقتصاد بلدك دفعة قوية، ستدفعه لمدة عشر سنين للأمام، ستوفر المليارات لآلاف الشركات الخاصة في دولتك، بداية من شركات الأسلحة والشركات الامنية وشركات إعادة الإعمار، بالطبع فأنت ستدمر البنية التحتية بالكامل لكي تعيد بناءها مرة أخرى بعقود تجارية جديدة وصولا لشركات الطباعة التي ستطبع الكتب المدرسية للدولة التي قمت بإحتلالها وستستفيد بكل الطرق.

ستتجاهل حقوق الانسان في معتقلاتك التي كنت تعلن عنها ليل نهار وتعطّل القيم التي كنت تنادي بها بدعوى الوضع الصعب الذي تمرون فيه.

مواجهة الصدمة

أود أن اختم الحلقة بالرجوع لحكاية “عزت” الذي حدثتكم عنه في البداية، الصدمة تخسر معظم قوتها وأغلب فعاليتها إذا عُرِفت، “عزت” لو كان يعرف مبدأ الصدمة التي نفذه مديره عليه كان بكل تأكيد سيكون له رد فعل مختلف!

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق